محمد متولي الشعراوي

772

تفسير الشعراوي

إذن فالذين يقولون هذا لا يلحظون أن اللّه يريد أن يخفف عنا ، ثم ما الذي يمنعنا أن نفهم أن الحق سبحانه وتعالى أراد للمريض وللمسافر رخصة واضحة ، فجعل صيام أي منهما في عدة من الأيام الأخر . فإن صام في رمضان وهو مريض أو على سفر فليس له صيام ، أي أن صيامه لا يعتد به ولا يقبل منه ، وهذا ما أرتاح إليه ، ولكن علينا أن ندخل في اعتبارنا أن المراد من المرض والسفر هنا ، هو ما يخرج مجموع ملكات الإنسان عن سويّتها . وما معنى كلمة « شهر » التي جاءت في قوله : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » ؟ . إن كلمة « شهر » مأخوذة من الإعلام والإظهار ، وما زلنا نستخدمها في الصفقات فنقول مثلا : لقد سجلنا البيع في « الشهر العقارى » أي نحن نعلم الشهر العقارى بوجود صفقة ، حتى لا يأتي بعد ذلك وجود صفقة على صفقة ، فكلمة « شهر » معناها الإعلام والإظهار ، وسميت الفترة الزمنية « شهرا » لماذا ؟ لأن لها علامة تظهرها ، ونحن نعرف أننا لا نستطيع أن نعرف الشهر عن طريق الشمس ؛ فالشمس هي سمة لمعرفة تحديد اليوم ، فاليوم من مشرق الشمس إلى مشرق آخر وله ليل ونهار . ولكن الشمس ليست فيها علامة مميزة سطحية ظاهرة واضحة تحدد لنا بدء الشهر ، إنما القمر هو الذي يحدد تلك السمة والعلامة بالهلال الذي يأتي في أول الشهر ، ويظهر هكذا كالعرجون القديم ، إذن فالهلال جاء لتمييز الشهر ، والشمس لتمييز النهار ، ونحن نحتاج لهما معا في تحديد الزمن . إن الحق سبحانه وتعالى يربط الأعمال العبادية بآيات كونية ظاهرة التي هي الهلال ، وبعد ذلك نأخذ من الشمس اليوم فقط ؛ لأن الهلال لا يعطيك اليوم ، فكأن ظهور الهلال على شكل خاص بعدما يأتي المحاق وينتهى ، فميلاد الهلال بداية إعلام وإعلان وإظهار أن الشهر قد بدأ ، ولذلك تبدأ العبادات منذ الليلة الأولى في رمضان ؛ لأن العلامة - الهلال - مرتبطة بالليل ، فنحن نستطلع الهلال في المغرب ، فإن رأيناه نقل شهر رمضان بدأ . ولم تختلف هذه المسألة لأن النهار لا يسبق الليل ، إلا في عبادة واحدة وهي الوقوف بعرفة ، فالليل الذي يجئ بعدها هو الملحق بيوم عرفة . وكلمة « رمضان » مأخوذة من مادة ( الراء - والميم - والضاد ) ، وكلها تدل على